السيد عباس علي الموسوي
20
شرح نهج البلاغة
عليها لأن التراب إذا استولى على جسد الآدمي أسرع إليه الفناء والبلى . . . ( مستسلمات فلا أيد تدفع ولا قلوب تجزع ) هذه الجوارح مستسلمة للنوازل خاضعة لما يحلّ بها لا تدفع بأيديها عن نفسها كما كانت في دار الدنيا تذب وتدفع وليس لها قلوب تحزن بها ويصيبها الجزع ، لقد خرجت عما كانت عليه في الدنيا . ( لرأيت أشجان قلوب وأقذاء عيون لهم في كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي ) لرأيت جواب لو تصورت أي لو تصورت حالهم بخيالك لرأيت وشاهدت أحزان القلوب وأذى العيون وذلك نتيجة أن كل أمر شديد فيهم وكل حال هم فيها من السوء لا ينتقلون منها إلى الأحسن بل إلى الأسوإ لأنه كلما طال المدى عليهم كلما ازدادت حالتهم سوءا فإن الجسد الميت في هذا اليوم أفضل منه في الغد وهو في الغد أحسن منه بعد غد وهكذا لأن التحلل والتفتت يزداد يوما بعد يوم . . . ( فكم أكلت الأرض من عزيز جسد وأنيق لون كان في الدنيا غذي ترف وربيب شرف ) أشار عليه السلام إلى الكثرة الكثيرة من الأجساد الفتية والألوان المعجبة الرائعة التي أكلتها الأرض وأفنتها وأزالتها من الوجود . هذه الأجساد التي كان أهلها يحافظون عليها ويرعونها . . . كانوا يغذونها بأطيب وأحسن ما يكون به التنعم والبطر ويربونها على العز والدلال . وبعبارة أخرى كان هناك بشر اهتموا بأجسادهم وحافظوا عليها فأكلتها الأرض وأفنتها . . . ( يتعلل بالسرور في ساعة حزنه ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به ضنا بغضارة عيشه وشحاحة بلهوه ولعبه ) هذا بيان لمحافظة هذا الفتى على صحته وتنعمه وأنه لا يريد أن ينغّص ساعات سروره أو يكدرها ضمن أي جو مسيئ فلذا هو يحاول أن يحوّل أجواء الحزن إلى الفرح فإذا مات والده علل نفسه ومناها بالثروة والمال فأبدل حزنه على أبيه بسروره بميراثه وكذلك يتسلى بأمور تنسيه مصائبه التي تنزل به وتحل بساحته كل ذلك بخلا بأن يصيب ما هو فيه من النعيم والخير العميم أذى أو يصيب لهوه ولعبه آفة . . . إنه يريد أن يحفظ سروره وفرحه وعيشه السعيد ولا يعكرهم همّ أو حزن أو مصيبة أو أذى فلذا يحوّل الأتراح إلى أفراح ويخلق أجواء السرور والفرح . . . ( فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه في ظل عيش غفول إذ وطئ الدهر به حسكه ونقضت الأيام قواه ونظرت إليه الحتوف من كثب ) هذه هي حالة أبناء الدنيا الذين